سيد محمد طنطاوي

203

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : آمنوا - أيها الناس - باللَّه - تعالى - وبرسوله صلى اللَّه عليه وسلم إيمانا حقا ، وإن من مقتضيات هذا الإيمان ، أن تنفقوا من أموالكم في وجوه الخير ، فإن هذه الأموال هي عارية في أيديكم ، فقد ورثتموها من غيركم ، وغيركم سيرثها عنكم ، وهي في جميع الأحوال ملك للَّه - تعالى - وحده على الحقيقة . قال القرطبي : قوله : * ( وأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه ) * دليل على أن أصل الملك للَّه - سبحانه - وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضى اللَّه فيثيبه على ذلك بالجنة ، فمن أنفق منها في حقوق اللَّه ، وهان عليه الإنفاق منها ، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه ، كان له الأجر الجزيل . وقال الحسن : مستخلفين فيه : ورثتكم إياه عمن كان قبلكم . وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة ، وما أنتم إلا بمنزلة النواب والوكلاء ، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق ، قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المنفقين فقال : * ( فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ) * إيمانا حقا . . * ( وأَنْفِقُوا ) * أموالهم فيما يرضى اللَّه - تعالى - * ( لَهُمْ ) * منه - عز وجل - * ( أَجْرٌ كَبِيرٌ ) * لا يعلم مقداره إلا اللَّه - تعالى - . ثم رغبهم - سبحانه - في الثبات على الإيمان باللَّه ورسوله فقال : * ( وما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّه ، والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ ، وقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * . أي : وأي مانع يمنعكم من الثبات على الإيمان . ومن القيام بتكاليفه ، ومن إخلاص العبادة له - تعالى - وحده ، والحال أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بينكم صباح مساء ، يدعوكم إلى الإيمان بربكم ، وقد أخذ - سبحانه - عليكم العهود والمواثيق على هذا الإيمان ، عن طريق ما ركب فيكم من عقول تعقل ، وعن طريق ما نصب لكم من أدلة متنوعة كلها تدل على وجوب إخلاص العبادة للَّه الواحد القهار . قال : الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : أي : وأي شيء يمنعكم من الإيمان ، والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك ، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به . وقد روينا في الحديث من طرق ، في أوائل شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري ، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال يوما لأصحابه : « أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا ؟ » قالوا : الملائكة .

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 238 .